البغدادي
74
خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب
قال خضر الموصليّ : وتوقّف بعضهم في الاستشهاد ، لأنّ « بين » يوصف بها الوسط ، وتضاف إلى متعدّد ، هما الطرفان لذلك الوسط . وفي البيت الموصوف ببين هو النواعم ، والمتعدّد الذي أضيفت هي إليه الأبكار والعون فلزم « 1 » أن يكونا طرفا ، والنّواعم وسطا ، فلم يدلّ على أنّ العوان النّصف ، بل على ضدّه وهو الطّرف . وأجاب عنه بعض الفضلاء بأن « بين » هنا مستعملة للتنويع ، كما يقال : مركوب فلان ما بين البغل والفرس ، أي : مركوبه نوعان : بغل وفرس ، فيكون المعنى أنّ الممدوحات نواعم بعضها أبكار وبعضها عون . ولا شكّ أنّها هي المتوسطات في السّنّ ، وأما الصغار اللاتي في سنّ الطّفولية فلا يميل الطبع إليهنّ ، وكذا المسنّات . فالتوسّط معلوم من المقام . أقول : إنّما يتمّ الجواب أن لو استعمل « بين » التي للتنويع بغير ما ، والاستعمال يشهد أنّه لا بدّ منها ، فيقال : مركوب فلان ما بين بغل وفرس ، وثيابه ما بين خزّ وحرير ، ولا يقال بين ، كما صرّح به النحاس . انتهى . و « الطّرمّاح » هو الطّرمّاح بن حكيم الطائي « 2 » ، شاعر إسلامي في الدولة المروانية ، ومولده ومنشؤه بالشام ، ثم انتقل إلى الكوفة مع من وردها من جيوش أهل الشام ، فاعتقد مذهب الشّراة الأزارقة ، وذلك إنه لما قدمها نزل على تيم اللات بن ثعلبة ، وفيهم شيخ من الشراة له سمة وهيئة ، فكان يجالسه ويسمع منه ، فدعاه إلى مذهبه فقبله منه ، واعتقده أشدّ اعتقاد حتّى مات عليه . قال ابن قتيبة « 3 » : كان الكميت بن زيد صديقا للطرمّاح لا يتفارقان في حال من الأحوال ، فقيل للكميت : لا شيء أعجب من صفاء ما بينكما على تباعد ما بينكما من النسب والمذهب والبلاد ، وهو شاميّ قحطانيّ خارجيّ « 4 » ، وأنت كوفيّ نزاري
--> ( 1 ) في النسخة الشنقيطية : " فلزما " . ولقد أثبتنا رواية طبعة بولاق . ( 2 ) هو الحكم بن حكيم بن الحكم بن نفر بن قيس بن جحدر ؛ وكنيته أبو نفر ، ويكنى أبا خبيبة أيضا . والطرماح لقب عرف به الشاعر ، حتى غلب على اسمه الأصلي ، فاشتهر به . انظر في ترجمته وأخباره الأغاني 12 / 35 ؛ والمقاصد النحوية 2 / 276 ؛ ومقدمة ديوانه ص 7 . ( 3 ) لم نجد النص المذكور في كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة . ولقد عثرنا عليه في الأغاني 12 / 36 . ( 4 ) في الأغاني : " قحطاني شاريّ " .